محمود ماضي

127

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

أما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان متهيأ مستعدا للنبوة متطلعا إليها ، فان « كارليل » يفند هذا الزعم بقوله : « ومما يبطل دعوى القائلين أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن صادقا في رسالته . . . أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه في تلك العيشة الهادئة المطمئنة . . . لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا دوى ، مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطان . . . ولم يك إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب . . . » « 1 » . قد يقول قائل ممن يحسنون الظن بالمستشرقين المعاصرين ، لقد أطلت الوقفة عند كلام قديم وأخطاء اعتذر عنها وصححها ، كثير من المستشرقين المعاصرين . نقول : قد يكون صحيحا القول بأن ألوان التحامل القديم على الإسلام قد خفت حدتها إلى درجة كبيرة منذ مطلع هذا القرن ، ولكنها للأسف الشديد لا تزال تعيش قوية ، ولا تزال هناك فئة من المستشرقين تحرص حتى اليوم على نشر ألوان التحامل القديم في العالم الغربى على نطاق واسع وبأساليب مختلفة « 2 » . إن كتابات أمثال جولد تسيهر وكيثانى ودرمنغام أصبحت حجة عند من جاء بعدهم . المستشرق « مونتجمرى واط » والذي يوصف كثيرا بأنه متعاطف مع المسلمين ، ويقول عن نفسه أنه محايد وأنه موضوعي ، وأنه يبحث بحثا تاريخيا دون ما أدنى إساءة إلى المسلمين . رأيناه - فيما مر - يشكك في أمية الرسول ، ويقف طويلا أمام اللقاء الأول والأخير لنبينا محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » مع ورقة ، وقد فندنا كل ما أثاره بشأن الأمية وقصة ورقة . يقول « واط » : « ولا بد أن محمدا قد عرف منذ شبابه بعض المشاكل الاجتماعية والدينية في مكة ، ولا شك أن وضعه كيتيم قد أطلعه على القلق السائد في المجتمع ، وربما كانت أفكاره من وجهة النظر الدينية ترجع إلى التوحيد الغامض الذي نلاحظه عند المكيين المثقفين ، ولكن يضاف إلى ذلك أنه ولا شك ( ! ) فكر ببعض الإصلاح في مكة ، وكان كل ما يحيط به يساعد على أن يوحى إليه بأن هذا الإصلاح يجب أن يكون أولا إصلاحا دينيا . ولهذا نرى محمدا يصبو إلى الخلوة للتفكير في الأمور الإلهية ويقوم ببعض العبادات ، وربما كان ذلك للتفكير عن الخطايا » « 3 » .

--> ( 1 ) - كارليل : الأبطال ص 51 ، د . عماد الدين خليل : السابق ص 124 . ( 2 ) - د . محمود حمدى زقزوق : الاستشراق والخليفة الفكرية للصراع الحضارى ص 96 دار المنار مصر 1409 ه - 1989 م . ( 3 ) - محمد في مكة ص 82 .